البخاري
تصدير 57
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
غير أن ما تحدّثنا به إلى الآن لا يمثل غير شق واحد من مكاسبه العظيمة ، فقد بدأ حديثنا واستمر عن حظه من الحفظ والرواية ، ودرجته من الاتساع والكثرة ، ومن التثبت والقوّة ، وهذا يمثل نشاطه وجهده في جانب واحد من ميدان عمله ، ميدان خدمة الحديث الذي أولاه عنايته ، وفرّغ له نفسه ، ووهبه عمره ، ويبقى الجانب الآخر من جوانب العمل في هذا الميدان ، وهو قصة الحديث ، والبصر بعلومه ومعارفه ، والخبر بنقده ، وميز سليمه من سقيمه ، فما الذي حقّقه في هذه المعاني ؟ وما رأى المحدثين فيه ؟ لقد توسّع البخاري في هذه الناحية حتّى صار بحرا لا يحدّه ساحل ، وعظم نصيبه منها بمقدار ما عظم نصيبه من الحفظ والرواية ، وبذلك احتلّ مكان الصدارة والإمامة هنا ، كما احتله هناك . ولعلنا نعرف أن البخاري في أول عهده بالرحيل لم يكن مقلا من هذه الأمور ، فقد خرج من بلده عامر الصدر بحظ وافر منها ، وكانت ثروته من علم الحديث كفاء ثروته من جمعه وتحصيله ، ويكفينا للتعرف على قيمة هذه الثروة أن نعود إلى قصته مع سليم بن مجاهد وأن نسترشد بما فيها من حوار ، فقد سأله سليم عن حقيقة ما يقال من حفظه سبعين ألف حديث ، فكان جوابه : « نعم ، وأكثر ، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة ، أو التابعين ، إلّا عرفت مولد أكثرهم ، ووفاتهم ، ومساكنهم ، ولست أروى حديثا من حديث الصحابة ، أو التابعين ، إلّا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظا ، عن كتاب اللّه ، أو سنة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - » ( طبقات الشافعية 2 - 218 ) .